محمد أبو زهرة
2083
زهرة التفاسير
ضغنا ، حتى يخلص قلبك من كل ما يعكره ، لتصفو الدعوة ، وإن الله تعالى يحب الذين يتقنون أعمالهم بسلوك سبيل الدعوة الصحيحة ، وأخذ الناس بالرفق ، ومعاملتهم بالتي هي أحسن ، والإنعام عليهم بالعفو ، وخلوص النفس من كل الشوائب بالصفح الجميل . ولكن من هم الذين يستحقون ذلك العفو والصفح ، أو بعبارة أخرى من الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عنهم والصفح الجميل لهم . قال بعض المفسرين : هم العدد القليل الذين استثناهم الله تعالى بقوله تعالت كلماته : إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ . وإنا نرى أن ذلك ، ولو أنه مستقيم مع سياق اللفظ هو غير مستقيم في سياق المعاني ؛ لأن هؤلاء لم يسيئوا ولم يكونوا خائنين ، حتى يكون للعفو والصفح موضع . وقال بعض المفسرين : إن الذين أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعفو عنهم هم اليهود جميعا ، ولكن نسخ هذا بقوله تعالى : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ . . . ( 29 ) [ التوبة ] وهؤلاء منهم ، ولكن يرد عليه بأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن الجمع . وقال آخرون : إن المراد اليهود ولا نسخ ؛ لأن العفو والصفح كان بمساكنتهم وبقبول الجزية منهم مع معاشرتهم للمسلمين على أن يكون لهم ما لهم وعليهم ما عليهم ، وفي ذلك النظر وجاهة . والذي نراه أن الأمر بالعفو والصفح عام لليهود ، لكي يؤدى النبي صلى الله عليه وسلم واجب الدعوة ، وكذلك الشأن في كل داع إلى دعوة ؛ لأنه إذا كانت النفس يشوبها الغضب والألم والإحن ويبدو ذلك في اللسان ، فإنه لا تستقيم الدعوة ، ولا تقوم الحجة على من يدعوهم ؛ لأن الله تعالى يقول : ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ . . . ( 125 ) [ النحل ] ويقول سبحانه : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( 46 ) [ العنكبوت ] ولا يمكن أن يكون ذلك قد